الرجل الذي تراه أمامك هو " ويل ديورانت " المؤرخ والفيلسوف الأمريكي الشهير صاحب كتاب قصة الحضارة الذي تُرجم إلى عشرات اللغات ومنها العربية، كتاب ضخم يقع في أكثر من 20 مجلدا، عبارة عن موسوعة في فلسفة تاريخ الحضارات وخلاصة تراث الفكر الإنساني، تطلب الكتاب من مؤلفه قرابة 50 سنة و15 رحلة إلى مواقع الحضارات حتى أتمه بمعاونة زوجته أريل، وهو يُعد من أعمدة ما حُرِّر في ما يختص بالتاريخ ويعد من مراجعه الأساسية في هذا الزمن، هذا بالرغم من انتقاد بعض المسلمين له بسبب إغفال بعض جوانب الحضارة الإسلامية، ولكننا بحمدالله لدينا من دواوين تاريخنا ما يسد هذا الخلل، إلا أننا لا نجد في تواريخنا " العربية " ما يغني عن هذا السِفر العظيم، خاصة في ما يختص بتطور الفكر والتاريخ الأوروبي أوالغربي عموما.
في الحقيقة أنني لم آتِ اليوم لأحدثكم عن كتاب قصـة الحـضـارة لويل ديورانت فالحديث عـنـه طـويـل مـتـشـعـب ذو شـجـون، وإنـمـا أحببت أن أحدثكم عن الطُّعم، وما أدراك ما الطُّعم ؟
عندما بلغ هذا المؤرخ الكبير من العمر 92 سنة طلبت منه ابنته أن يجري " مسحاً تاريخيا " مختصرا كأبحاث مبسطة تتناول أهم الحقب المفصلية في التاريخ وأبرز أعلامها، ثم يلقيها بأحاديث إذاعية أو تلفزيونية، وقد راقت هذه الفكرة لهذا العجوز فأقبل على هذا المشروع الإبداعي بكل هِمّة ونشاط، وخلال سنة تقريبا كان ديورانت قد كتب تسعة عشر نصاً لتلك المغامرة الفكرية، وكتب رسالة إلى ابنته يقول فيها:
" إحتفظي بالمرُسَل لكِ باعتباره الحديث رقم 18. كذلك أنجزت الحديث رقم 19، وإنما لم أُراجعه بعد، وهو عن الإصلاح الكاثوليكي (1517-1563)، وقد سوّدت 17 صفحة. وحيث إنني أعتزم تخصيص هذه المقالات لكتاب بعنوان " أبطال من التاريخ "، بدلاً من إعطائها للتلفزيون .. إلخ "
إذن فهذه هي المحاولة الأخيرة لديورانت لإيصال عيّنة مصغّرة للتاريخ بوصفة فلسفية ماتعة الأسلوب، وتحقيقا لهذه الغاية عَمَد على انتزاع مقاطع من سلسلته قصة الحضارة واختصارها، وبذلك استوى الكتاب مدخلاً رائعاً إلى قراءة التاريخ. صحيح أنه قد تصوّر ذات يوم أنه سيكتب 23 فصلاً، لكنّ المنية قد أدركته في 7 نوفمبر 1981 عن 96 سنة، ولم يكن قد تم من كتبه إلا 21 فصلاً.
بعد وفاة زوجته ووفاته هو في نفس العام، تبعثرت أوراقه الخاصة بين الأقارب وبين هواة التجميع ودور الأرشيف، ولم يبقَ من تشتتها إلا القليل ومنه هذه الوريقات، فقد عُثِرَ عليها صدفة في شتاء عام 2001، أي بعد مرور 20 عاما على وفاة ديورانت، وكان هذا العثور حَدَثاً من العيار الثقيل في الأوساط المعنية وبالنسبة لمحبي ديورانت ولطلاب الفلسفة والتاريخ في العالم أجمع.
أظن أنك الآن قد عرفتَ ما كنت أقصده " بالطُّعم "، فكتاب ديورانت " أبطال من التاريخ " ما هو إلا ذلك الطُّعم الذي سيصطاد طالب التاريخ - فيما أحسب - فيضطره إلى القيام بمشروع ضخم وجَلل، ألا وهو قراءة أحد أهم أسفار التاريخ على الإطلاق " قصة الحضارة " أو على الأقل الاستعانة فيه كمرجع أساسي ومهم.
وللفائدة فإن كتاب " أبطال من التاريخ" يقع في 400 صفحة، نشرته دار الكتاب العربي مترجماً من قِبل سامي الكعكي وسمير كرم، وراجعه عمر الأيوبي، وقبل أن أختم هذه الأسطر أود أن أستعرض معكم بعض عناوين الفصول التي تناولها ديورانت في سِفره الأخير:
- الفصل الأول: ما هي الحضارة ؟
- الفصل الثاني: كونفوشيوس والملاك المنسي (إطلالات على الحضارة الصينية)
- الفصل الثالث: الهند من بوذا إلى أندريا غاندي.
- الفصل الرابع: من الإهرامات إلى أخناتون.
- الفصل الخامس: الفلسفة والشعر في العهد القديم.
- الفصل السادس: الطريق إلى بركيس ( تناول فيه قُدامى الإغريق ونشأت تلك الحضارة ).
- الفصل السابع: عصر أثينا الذهبي.
- الفصل الثامن: من أفلاطون إلى الإسكندر.
- الفصل التاسع: الجمهورية الرومانية.
- الفصل العاشر: الثورات الرومانية.
- الفصل الحادي عشر: الأمبراطورية الرومانية ( 27 ق.م - 180م ).
- الفصل الثاني عشر: نيرون وأوريليوس ( الإمبراطورية الرومانية قبل بعثة المسيح عليه السلام ).
- الفصل الثالث عشر: المسيح الإنسان.
- الفصل الرابع عشر: نشوء الكنسية وتطورها.
- الفصل الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر: عصر النهضة من ليوناردو إلى غروب شمس البندقية.
- الفصل الثامن عشر والتاسع عشر والعشرون: حركة الإصلاح الديني.
- الفصل الحادي والعشرون: شكسبير وبيكون.
ملاحظة أخيرة: قد يأخذ البعض على المؤلف في هذا الكتاب:
1- سرده لبعض الوقائع التاريخية بتحرر تستقبحه الفِطر السوية، وهذا الأمر لا يقدح بأمانته في نقل الوقائع إذ أنه نقلها كما وقعت.
2- تعريجه على بعض الجوانب غير المهمة بالنسبة لنا كالفنون مثلاً أو بعض أعلام الفن والشعر الغربي.

هل يوجد للكتاب نسخة إلكترونية لديك ؟
ردحذفتدينة جميلة ورائعة...
ردحذفشكراً على اتحافنا
من خلال جولة سريعة في النت لم أجد للكتاب نسخة للأسف.
ردحذفMustafaHH
ردحذفشكرا لمرورك أستاذ مصطفى
شكراً لبحثك أخي طلال
ردحذفبحثت أنا فماوجدت ، فقلت عله يمتلك نسخة منه
شكراً لك مرة أخرى
ايه الكتاب الجامد ده
ردحذفلكم منى اجمل تحيه
لكم منى اجمل تحيه
ردحذفشكراا على المدونة الممتازة والموقع الرائع المتميز .. بالتوفيق ان شاء الله