2012-02-10

امرأتي طالق أن لم أسأل الليلة عبيد الله بن الحسن !



في (شرح المقامات) للشريشي:
قال أحمد بن ظبيان الحائز: أجتمع قوم على شراب لهم فغناهم مغنيهم:
إنّ التي ناولَتني فرددتُها ... قُتِلت (قُتِلتَ) فهاتها لم تُقتل
كلتاهما حلب العصر فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمِفصلِ
فقال بعضهم: امرأتي طالق أن لم أسأل الليلة عبيد الله بن الحسن القاضي عن علة هذا الشعر لمَ قال: (إن التي) فوحد ثم قال: (كلتاهما) فثنى؟ فأشفقوا على صاحبهم وتركوا ما كانوا عليه، ومضوا يتخطون القبائل حتى انتهوا إلى بني شقرة، وعبيد الله بن الحسن يصلي، فلما فرغ من صلاته قالوا قد جئناك في أمر قد دعتنا إليه ضرورة، وشرحوا له خبرهم، فقال: (إن التي ناولتني فرددتها) عني بها الممزوجة بالماء ثم قال من بعدُ (كلتاهما حلب العصير) يريد الخمر المحتلبَة من العنب والماء المحتلب من السحاب المكني عنها بالمعصرات في قوله تعالى وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا.

والشيب يغمزها بأن لا تفعلي !



قال العتبي: رأيت امرأة أعجبتني صورتها فقلت لها: ألك بعل؟ قالت: لا. قلت: أفترغبين في التزويج؟ قالت: نعم، ولكن لي خصلة أظنك لا ترضاها. قلت: وما هي؟ قالت: بياض برأسي. قال: فثنيت عنان فرسي، وسرت قليلاً. فنادتني أقسمت عليك لتقفن، ثم أتت إلى موضع خال فكشفت عن شعر كأنه العناقيد السود. فقالت: والله ما بلغت العشرين ولكن أردت أن أعرفك أنا نكره منك ما تكره منا.
فقال: فخجلت وسرت وأنا أقول:
فجعلت أطلبُ وصلها بتملقٍ ... والشيْبُ يغمزها بألا تفعلي

2012-02-09

لا نريد أن نكون أصحاب الفيل



في نفح الطيب:
قال عبد الله بن عمر السرخسي: بلغني أن قوماً من الغرباء قصدوا السلطان يعقوب المنصور ومعهم حيوانات معلمة، منها أسد وغراب، أما الأسد فيقصده من دون أهل المجلس، ويربض بين يديه، وربما أومأ بالسجود ومد ذراعيه. وأما الغراب فكان يقول: (النصر والتمكين، لسيدنا أمير المؤمنين) وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
أنس الشبل ابتهاجاً بالأسد ... ورأى شبه أبيه فقصد
انطق الخالق مخلوقاته ... شهدوا والكل بالحق شهد
أنك الخيرة من صفوته ... بعدما طال على الناس الأمد

فأعطاهم وكساهم، وأحسن حباءهم. وبلغني أن قوماً أتوه بفيل من بلاد السودان هدية فأمر لهم بصلة ولم يقبله منهم. وقال: نحن لا نريد أن نكون أصحاب الفيل.

2012-02-08

اللغة والدولة



في (الإحكام في أصول الأحكام) لابن حزم: إن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها، ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم، فإنما يقيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم. وأما من تلفت دولتهم، وغلب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمونٌ منهم موت الخواطر؛ وربما كان ذلك سبباً لذهاب لغتهم ونسيان أنسابهم وأخبارهم وبيود علومهم. هذا موجود بالمشاهدة ومعلوم بالعقل ضرورة.

2012-02-07

من قصص الأمثال



- أوسعتهم سبأ وأودوا بالإبل ..
ذكر الميداني في (مجمع الأمثال): أن رجلاً من العرب أغير على إبله فأخذت، فلما توارَوا صعِد أكمة وجعل يشتمهم، فلما رجع إلى قومه سألوه عن ماله فقال: أوسعتهم سباً وأودَوا بالإبل. يضرب لمن لم يكن عنده إلا الكلام.

حتى تجوع ببطن غيرك ؟




في (كتاب القضاة): قال سهل بن علي: كنت ألازم خير بن نعيم القاضي وأجالسه وأنا يومئذ حديث السن. وكنت أراه يتجر في الزيت، فقلت له: وأنت أيضاً تتجر؟! فضرب بيده على كتفي ثم قال: (انتظره حتى تجوع ببطن غيرك) فقلت في نفسي: كيف يجوع إنسان ببطن غيره؟ فلما ابتليت بالعيال إذا أنا أجوع ببطونهم.

قصة قولهم: كُفيت الدعوة ؟



أصل هذا المثل: (كفيت الدعوة) أن بعض المُجَّان نزل براهب في صومعته، وساعده على دينه، وجعل يقتدي به، ويزيد عليه في صلاته وصيامه؛ ثم إنه سرق صليب ذهب كان عنده، واستأذن لمفارقته، فأذن له، وزوده من طعامه. ولما ودعه قال له: (صحبك الصليب) على رسم لهم فيمن يريدون الدعاء له بالخير. فقال له الماجن: (كُفيت الدعوة. .) فصار مثلاً لمن يدعو بشيء مفروغ منه.

- مجمع الأمثال للميداني

2011-09-26

حجبت عني ضوء الشمس !


قيل أن الإسكندر المقدوني سمع بديوجانس الحكيم الزاهد، فأراد أن يراه، فرحل إلى مدينة قورنته لرؤيته، فلما وصل ودلّوه عليه، وجده جالساً أمام الشمس في مكان رحب لوحده، فاقترب منه وقال: أنا الملك الإسكندر !
فأجاب: وأنا ديوجانس
قال الإسكندر: أما تهابني ؟!
فأجاب ديوجانس: وهل أنت طيّب أم سيء ؟
قال الإسكندر: بل إني طيب ومحبوب.
فأجاب ديوجانس: ومَن الذي يهاب الطيب !
فقال الإسكدنر: إني يا ديوجانس أعلم بحاجتك إلى أمور كثيرة، وأكون مسروراً إذا وُفِّقتُ لقضائها.
فأجاب ديوجانس: إذا عاهدني الملك على قضاء ما أرجو عرضت عليه ما شِئت.
فقال الإسكندر: لك عليّ ذلك العهد.
فأجاب ديوجانس: تَـحَـوَّل من هذه الجهة، فقد حجبت عني ضوء الشمس !!

2011-09-24

وما أدراك ما " الطُّعم " ؟



الرجل الذي تراه أمامك هو " ويل ديورانت " المؤرخ والفيلسوف الأمريكي الشهير صاحب كتاب قصة الحضارة الذي تُرجم إلى عشرات اللغات ومنها العربية، كتاب ضخم يقع في أكثر من 20 مجلدا، عبارة عن موسوعة في فلسفة تاريخ الحضارات وخلاصة تراث الفكر الإنساني، تطلب الكتاب من مؤلفه قرابة 50 سنة و15 رحلة إلى مواقع الحضارات حتى أتمه بمعاونة زوجته أريل، وهو يُعد من أعمدة ما حُرِّر في ما يختص بالتاريخ ويعد من مراجعه الأساسية في هذا الزمن، هذا بالرغم من انتقاد بعض المسلمين له بسبب إغفال بعض جوانب الحضارة الإسلامية، ولكننا بحمدالله لدينا من دواوين تاريخنا ما يسد هذا الخلل، إلا أننا لا نجد في تواريخنا " العربية " ما يغني عن هذا السِفر العظيم، خاصة في ما يختص بتطور الفكر والتاريخ الأوروبي أوالغربي عموما.


في الحقيقة أنني لم آتِ اليوم لأحدثكم عن كتاب قصـة الحـضـارة لويل ديورانت فالحديث عـنـه طـويـل مـتـشـعـب ذو شـجـون، وإنـمـا أحببت أن أحدثكم عن الطُّعم، وما أدراك ما الطُّعم ؟
عندما بلغ هذا المؤرخ الكبير من العمر 92 سنة طلبت منه ابنته أن يجري " مسحاً تاريخيا " مختصرا  كأبحاث مبسطة تتناول أهم الحقب المفصلية في التاريخ وأبرز أعلامها، ثم يلقيها بأحاديث إذاعية أو تلفزيونية، وقد راقت هذه الفكرة لهذا العجوز فأقبل على هذا المشروع الإبداعي بكل هِمّة ونشاط، وخلال سنة تقريبا كان ديورانت قد كتب تسعة عشر نصاً لتلك المغامرة الفكرية، وكتب رسالة إلى ابنته يقول فيها:
" إحتفظي بالمرُسَل لكِ باعتباره الحديث رقم 18. كذلك أنجزت الحديث رقم 19، وإنما لم أُراجعه بعد، وهو عن الإصلاح الكاثوليكي (1517-1563)، وقد سوّدت 17 صفحة. وحيث إنني أعتزم تخصيص هذه المقالات لكتاب بعنوان " أبطال من التاريخ "، بدلاً من إعطائها للتلفزيون .. إلخ "


إذن فهذه هي المحاولة الأخيرة لديورانت لإيصال عيّنة مصغّرة للتاريخ بوصفة فلسفية ماتعة الأسلوب، وتحقيقا لهذه الغاية عَمَد على انتزاع مقاطع من سلسلته قصة الحضارة واختصارها، وبذلك استوى الكتاب مدخلاً رائعاً إلى قراءة التاريخ. صحيح أنه قد تصوّر ذات يوم أنه سيكتب 23 فصلاً، لكنّ المنية قد أدركته في 7 نوفمبر 1981 عن 96 سنة، ولم يكن قد تم من كتبه إلا 21 فصلاً.


بعد وفاة زوجته ووفاته هو في نفس العام، تبعثرت أوراقه الخاصة بين الأقارب وبين هواة التجميع ودور الأرشيف، ولم يبقَ من تشتتها إلا القليل ومنه هذه الوريقات، فقد عُثِرَ عليها صدفة في شتاء عام 2001، أي بعد مرور 20 عاما على وفاة ديورانت، وكان هذا العثور حَدَثاً من العيار الثقيل في الأوساط المعنية وبالنسبة لمحبي ديورانت ولطلاب الفلسفة والتاريخ في العالم أجمع.


أظن أنك الآن قد عرفتَ ما كنت أقصده " بالطُّعم "، فكتاب ديورانت " أبطال من التاريخ " ما هو إلا ذلك الطُّعم الذي سيصطاد طالب التاريخ - فيما أحسب -  فيضطره إلى القيام بمشروع ضخم وجَلل، ألا وهو قراءة أحد أهم أسفار التاريخ على الإطلاق " قصة الحضارة " أو على الأقل الاستعانة فيه كمرجع أساسي ومهم.


وللفائدة فإن كتاب " أبطال من التاريخ" يقع في 400 صفحة، نشرته دار الكتاب العربي مترجماً من قِبل سامي الكعكي وسمير كرم، وراجعه عمر الأيوبي، وقبل أن أختم هذه الأسطر أود أن أستعرض معكم بعض عناوين الفصول التي تناولها ديورانت في سِفره الأخير:


- الفصل الأول: ما هي الحضارة ؟
- الفصل الثاني: كونفوشيوس والملاك المنسي (إطلالات على الحضارة الصينية)
- الفصل الثالث: الهند من بوذا إلى أندريا غاندي.
- الفصل الرابع: من الإهرامات إلى أخناتون.
- الفصل الخامس: الفلسفة والشعر في العهد القديم.
- الفصل السادس: الطريق إلى بركيس ( تناول فيه قُدامى الإغريق ونشأت تلك الحضارة ).
- الفصل السابع: عصر أثينا الذهبي.
- الفصل الثامن: من أفلاطون إلى الإسكندر.
- الفصل التاسع: الجمهورية الرومانية.
- الفصل العاشر: الثورات الرومانية.
- الفصل الحادي عشر: الأمبراطورية الرومانية ( 27 ق.م - 180م ).
- الفصل الثاني عشر: نيرون وأوريليوس ( الإمبراطورية الرومانية قبل بعثة المسيح عليه السلام ).
- الفصل الثالث عشر: المسيح الإنسان.
- الفصل الرابع عشر: نشوء الكنسية وتطورها.
- الفصل الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر: عصر النهضة من ليوناردو إلى غروب شمس البندقية.
- الفصل الثامن عشر والتاسع عشر والعشرون: حركة الإصلاح الديني.
- الفصل الحادي والعشرون: شكسبير وبيكون.


ملاحظة أخيرة: قد يأخذ البعض على المؤلف في هذا الكتاب:
1- سرده لبعض الوقائع التاريخية بتحرر تستقبحه الفِطر السوية، وهذا الأمر لا يقدح بأمانته في نقل الوقائع إذ أنه نقلها كما وقعت.
2- تعريجه على بعض الجوانب غير المهمة بالنسبة لنا كالفنون مثلاً أو بعض أعلام الفن والشعر الغربي.

2011-09-21

القواسم المشتركة بين الحديقة والمكتبة !




ينتابني شعور كلما دخلت إلى مكتبة غنيّة، أنْ ربما قد ضللت طريقي فدخلت إلى حديقة بهيّة، وكذلك كلما زرت حديقة ما شعرت بنفس الشعور، تأملت هذا الأمر مليّا فوجدت أن هناك بالفعل بعض الشبه وكثيرا من القواسم المشتركة بينهما، فخذ على سبيل المثال بعض هذه القواسم:
1 - انشراح الصدر:
هذا أمر معلوم يعرفه كل من شُغِفَ بارتياد الحدائق أو من اعتاد زيارة المكتبات، فالقاسم في هذا الباب أشبه من الماء بالماء.
2 - التنوع:
في المكتبة تنوع معرفي ملحوظ، وفي الحديقة تنوع جَماليّ واضح.
3 - شهية القطف من غصن أو من رف:
ربما ليست بشهية بقدر ما هي غريزة إنسانية، فالإنسان يُحب أن يتناول بيده ما هو جميل ومباح ولا يخرم المروءة فقطف الوردة من غصنها شبيه بقطف الكتاب من رفِّه.
4 - الترتيب والتناسق:
إن لم تكن المكتبة مرتبة فأشك في كونها مكتبة، وكذلك الحديقة إن فقدت تناسقها وترتيبها لا تُسمى حديقة عند أهل الذوق.
5 - الرائحة المتميزة:
القارئ النَّهم تدركه بعد مدة من معالجة الكتب حالة إدمان يعرفها من شاطره الهم، تتلخص هذه الحالة باستنشاق صفحات الكتاب أحيانا !
أنا لا أمزح ولكم أن تسئلوا أحدهم، وما ذاك إلا لمعرفته بقيمة هذا الكتاب خاصة بعد أن حصل عليه بعد رحلة بحث متعبة، أما رائحة الحديقة فأمرها معلوم لدى الجميع.
6- الهدوء:
من أجمل الأمور في المكتبات الهادفة، والحدائق المعتبرة ذلكم الهدوء الساحر الذي تركن إليه النّفوس، فإن لم تسمع صوت خطواتك في أروقة المكتبة أو في طرق الحديقة فلا تصف الأولى بالهادفة، ولا الثانية بالمعتبرة !

هذه بعض القواسم التي كانت على طرف الثمام، وأنا على يقين أن من يقرأ هذه السطور سيقدح في ذهنه قاسم جديد ولعله فريد !

2011-07-30

وكثيرٌ من السؤال اشتياقٌ !


نَحْنُ أدْرَى وَقد سألْنَا بِنَجْدٍ ... أطَوِيلٌ طَرِيقُنَا أمْ يَطُولُ ؟
وَكَثيرٌ مِنَ السّؤالِ اشْتِيَاقٌ ... وَكَثِيرٌ مِنْ رَدّهِ تَعْليلُ

الليلة سوف تتناقل الأفواه وتستعذب الشفاه خبر رؤية هلاله، استبشاراً واشتياقاً لما تترتب عليه رؤيته من مظاهر وآداب وأحكام وروحانيات لا تكون إلا به.

شهر السّكينة، شهر الخير، شهر البركة، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، والذي عمرة فيه تعدل حجة، والذي فيه ليلة خير من ألف شهر، والذي يغفر الله لمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً، والذي تفتح فيه أبواب الجنان، والذي تصفد فيه الشياطين، هو سيد الشهور، والمقدم عليها.

يفنى الكلام ولا يُحيط بفَضلِهِ ... أَيُحيطُ ما يفنى بما لا ينفدُ ؟!

كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان، ويشد المئزر في آخره، ويطرق فيه جميع أبواب الخبر والبر من عبادة وصدقة وصلة رحم وغير ذلك، وعلى هديه كان الصحابة رضوان الله عليهم، وكذلك كان للصالحين من الأحوال والطقوس العجيبة التي لا تكون إلا في رمضان.

فها هم العلماء يتركون حِلقهم ودروسهم التي اعتادوا على الانتظام بها طيلة السنة ويتفرغون لدراسة القرآن وتدبره في هذا الشهر، فقد ورد الكثير من أخبارهم، ومن هذا ماذُكر أن أبا حنيفة رحمه الله إذا دخل رمضان يتفرغ لقراءة القرآن فإذا دخل العشر الأخير لم يقدر أحد أن يتكلم معه !، وذُكر أيضاً أن هارون بن سالم كان إذا دخل رمضان قال لزوجته: اطوي الفراش فلا ينام على فراش حتى ينسلخ رمضان !

لذا أوصيكم ونفسي بالاجتهاد في هذا الشهر المبارك، وليكن لكل أحد منا شعور أنه أمام مهمة عظيمة جليلة القدر لابد لها أن تُنجز، فيضع لنفسه خطة في رمضان، يختم خلاله القرآن ويتدبره، ويضاعف فيه من صدقاته، و يصل رحمه، ويجتهد في حفظ لسانه وجوارحه، فلا يتسمّر أمام الشاشات فيكون قيامه للمسلسلات أكثر من قيامه في الركعات ولا حول ولا قوة إلا بالله، فرُبّ صائم ليس له حظ من صيامه إلا الجوع والعطش، فاجتهد يا رعاك الله بحفظ صومك، كما كان يفعل السلف، حيث كانوا يطيلون المكث في المساجد يقولون: كي نحفظ صومنا.

أما ختم القرآن وهو شعار الصالحين في رمضان، فله طرق كثيرة من أيسرها، قراءة 4 صفحات قبل أو بعد كل فرض (مايقرب من 5 دقائق )، إن فعلت هذا فستختم بإذن الله في رمضان، أو قراة 20 - 25 دقيقة في اليوم، أو غيرها من الطرق اليسيرة والمُيسرة لكل أحد.

أخيراً أود أن أنبِّه أن القراء الأعزاء يستطيعون متابعتي اليومية من خلال تويتر أو فيسبوك، حيث سأنقل بعض الرقائق والفوائد خلال شهر رمضان.

بارك الله لي ولكم في هذا الشهر الكريم، وأعاننا على صيامه وقيامه إيمانا واحتسابا وتقبل من صالح أعمالنا وخالص طاعاتنا، وتجاوز بمنِّه ورحمته عن زلاتنا.

2011-07-19

تَرْجَمَةٌ لأديبٍ أندلُسِي


صاعد بن الحسن بن عيسى الربعي، الموصلي الأصل اللغوي الأديب أبو العلاء، أخذ عن السيرافي وأبي علي الفارسي والخطابي وغيرهم، وكان عارفاً باللغة وفنون الأدب والأخبار، سريع الجواب حسن الشعر طيب المعاشرة ممتع المجالسة، دخل الأندلس واتصل بالمنصور بن أبي عامر فأكرمه وأفرط في الإحسان إليه والإقبال عليه، ثم استوزره وألف للمنصور كتباً منها: كتاب سماه الفصوص على نحو كتاب النوادر لأبي عليٍ القالي.

واتفق لهذا الكتاب حادثة غريبة وهي: أن أبا العلاء لما أتمه دفعه لغلامٍ له يحمله بين يديه وعبر نهر قرطبة فزلت قدم الغلام فسقط في النهر هو والكتاب، فقال في ذلك ابن العريف وكان بينه وبين أبي العلاء شحناء ومناظراتك:
قد غاص في البحر كتاب الفصوص ... وهكذا كل ثقيلٍ يغوصْ
فضحك المنصور والحاضرون فلم يرع ذلك صاعداً وقال على البديهة مجيباً لابن العريف:
عاد إلى معدنه إنما ... توجد في قعر البحار الفصوصْ !
وصنف له أيضاً كتاب الجواس بن قعطل المذحجي مع ابنة عمه عفراء، وهو كتاب لطيف ممتع جداً، انخرم في الفتن التي كانت بالأندلس فسقطت منه أوراق لم توجد بعد، وكان المنصور كثير الشغف بهذا الكتاب حتى رتب له من يقرؤه بحضرته كل ليلةٍ، وصنف له أيضاً كتاب الهجفجف بن غيدفان بن يثربيٍ مع الخنوت بنت محرمة بن أنيفٍ وهو على طراز كتاب أبي السري سهل ابن أبي غالب الخزرجى، ولم يحضر صاعد بعد موت المنصور مجلس أحدٍ ممن ولي الأمر بعده، وإلى ذلك يشير في قصيدته التي قالها للمظفر بن المنصور الذي ولي بعد أبيه وأولها:
إليك حدت ناجية الركاب ... محملةً أماني كالهضابِ
وبعث ملوك أهل الشرق طرا ... بواحدها وسيدها اللبابِ
ومنها يشير إلى مرض لحق بساقه فمنعه من حضور جالسه، وهو وجع ادعاه فقال:
إلى الله الشكية من شكاةٍ ... رمت ساقي فجل بها مصابي
وأقصتني عن الملك المرجى ... وكنت أرم حالي باقترابي
ومنها:
حسبت المنعمين على البرايا ... فألفيت اسمه صدر الحسابِ
وما قدمتهُ إلا كأنّي ... أقدم تالياً أم الكتابِ
وأنشد هذه القصيدة بين يدي المظفر في عيد الفطر سنة ستٍ وتسعين وثلاثمائة، ولصاعدٍ مع المنصور أخبار ولطائف يطول ذكرها، توفي بصقلية سنة سبع عشرة وأربعمائةٍ.

2011-06-28

استشهادٌ نادر في محله


خرج المجنون ( قيس بن الملوح ) مع أصحاب له يمتار من وادي القرى فمر بجبلي نعمان فقالوا إن هذين جبلا نعمان وقد كانت ليلى تنزلهما قال فأي ريح تهب من نحو أرضها إلى هذا المكان فقالوا الصبا فقال والله لا أبرح حتى تهب الصبا فأقام في ناحية من الجبل ومضوا فامتاروا له ولهم ثم أتوا فحبسهم حتى هبت الصبا ورحل معهم وفي ذلك يقول:

أيا جبلي نعمان بالله خَـلِّـيا ... نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها
فإن الصبا ريحٌ إذا ما تنسمت ... على نفس مهمومٍ تجلت همومها

ويروى في ذلك أنه كان لأحد كبار الوعّاظ زوجة أسمها ( نسيم الصبا ) فاتفق أنه طلقها فحصل له عند ذلك ندم، فحضرت في بعض الأيام مجلس وعظه وجلست عند زاوية النساء، فحين رآها عرفها، فاتفق أنه جاءت امرأتان وجلستا أمامها فحجبتاها عنه فأنشد في الحال:

أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلصْ إلي نسيمها !!

جار أبي حنيفة


قيل: إنه كان لأبي حنيفة جار إسكاف ( صانع الأحذية ) بالكوفة يعمل نهاره أجمع فإذا جنه الليل، رجع إلى منزله بلحم أو سمك فيطبخ اللحم أو يشوي السمك ويشرب معه الخمر فإذا دب فيه السُّكر أنشد:

أضاعوني وأيَّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثغرِ !!

ولا يزال يشرب ويردد هذا البيت إلى أن يغلبه السكر وينام، وكان الإمام أبو حنيفة يصلي الليل كله، ويسمع حديثه وإنشاده، ففقد صوته بعض الليالي فسأل عنه فقيل: أخذه العسس ( شرطة الليل ) منذ ثلاثة أيام وهو محبوس.
فصلى الإمام الفجر وركب بغلته ومشى واستأذن على الأمير فقال: أئذنوا له، فلما دخل على الأمير أجلسه مكانه وسأله عن حاجته ؟
فقال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ثلاثة أيام فأرجو أن تأمر بتخليته.
فقال: نعم، ثم أمر بتخليته؟
فركب الإمام وتبعه جاره الإسكاف فلما وصل إلى داره قال له أبو حنيفة: أترانا أضعناك ؟
قال الرجل: لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن صحبة الجوار ورعايته ولله عليَّ أن لا أشرب بعدها خمرا.
فتاب من يومه ولم يعد إلى ما كان عليه.