2011-09-26

حجبت عني ضوء الشمس !


قيل أن الإسكندر المقدوني سمع بديوجانس الحكيم الزاهد، فأراد أن يراه، فرحل إلى مدينة قورنته لرؤيته، فلما وصل ودلّوه عليه، وجده جالساً أمام الشمس في مكان رحب لوحده، فاقترب منه وقال: أنا الملك الإسكندر !
فأجاب: وأنا ديوجانس
قال الإسكندر: أما تهابني ؟!
فأجاب ديوجانس: وهل أنت طيّب أم سيء ؟
قال الإسكندر: بل إني طيب ومحبوب.
فأجاب ديوجانس: ومَن الذي يهاب الطيب !
فقال الإسكدنر: إني يا ديوجانس أعلم بحاجتك إلى أمور كثيرة، وأكون مسروراً إذا وُفِّقتُ لقضائها.
فأجاب ديوجانس: إذا عاهدني الملك على قضاء ما أرجو عرضت عليه ما شِئت.
فقال الإسكندر: لك عليّ ذلك العهد.
فأجاب ديوجانس: تَـحَـوَّل من هذه الجهة، فقد حجبت عني ضوء الشمس !!

2011-09-24

وما أدراك ما " الطُّعم " ؟



الرجل الذي تراه أمامك هو " ويل ديورانت " المؤرخ والفيلسوف الأمريكي الشهير صاحب كتاب قصة الحضارة الذي تُرجم إلى عشرات اللغات ومنها العربية، كتاب ضخم يقع في أكثر من 20 مجلدا، عبارة عن موسوعة في فلسفة تاريخ الحضارات وخلاصة تراث الفكر الإنساني، تطلب الكتاب من مؤلفه قرابة 50 سنة و15 رحلة إلى مواقع الحضارات حتى أتمه بمعاونة زوجته أريل، وهو يُعد من أعمدة ما حُرِّر في ما يختص بالتاريخ ويعد من مراجعه الأساسية في هذا الزمن، هذا بالرغم من انتقاد بعض المسلمين له بسبب إغفال بعض جوانب الحضارة الإسلامية، ولكننا بحمدالله لدينا من دواوين تاريخنا ما يسد هذا الخلل، إلا أننا لا نجد في تواريخنا " العربية " ما يغني عن هذا السِفر العظيم، خاصة في ما يختص بتطور الفكر والتاريخ الأوروبي أوالغربي عموما.


في الحقيقة أنني لم آتِ اليوم لأحدثكم عن كتاب قصـة الحـضـارة لويل ديورانت فالحديث عـنـه طـويـل مـتـشـعـب ذو شـجـون، وإنـمـا أحببت أن أحدثكم عن الطُّعم، وما أدراك ما الطُّعم ؟
عندما بلغ هذا المؤرخ الكبير من العمر 92 سنة طلبت منه ابنته أن يجري " مسحاً تاريخيا " مختصرا  كأبحاث مبسطة تتناول أهم الحقب المفصلية في التاريخ وأبرز أعلامها، ثم يلقيها بأحاديث إذاعية أو تلفزيونية، وقد راقت هذه الفكرة لهذا العجوز فأقبل على هذا المشروع الإبداعي بكل هِمّة ونشاط، وخلال سنة تقريبا كان ديورانت قد كتب تسعة عشر نصاً لتلك المغامرة الفكرية، وكتب رسالة إلى ابنته يقول فيها:
" إحتفظي بالمرُسَل لكِ باعتباره الحديث رقم 18. كذلك أنجزت الحديث رقم 19، وإنما لم أُراجعه بعد، وهو عن الإصلاح الكاثوليكي (1517-1563)، وقد سوّدت 17 صفحة. وحيث إنني أعتزم تخصيص هذه المقالات لكتاب بعنوان " أبطال من التاريخ "، بدلاً من إعطائها للتلفزيون .. إلخ "


إذن فهذه هي المحاولة الأخيرة لديورانت لإيصال عيّنة مصغّرة للتاريخ بوصفة فلسفية ماتعة الأسلوب، وتحقيقا لهذه الغاية عَمَد على انتزاع مقاطع من سلسلته قصة الحضارة واختصارها، وبذلك استوى الكتاب مدخلاً رائعاً إلى قراءة التاريخ. صحيح أنه قد تصوّر ذات يوم أنه سيكتب 23 فصلاً، لكنّ المنية قد أدركته في 7 نوفمبر 1981 عن 96 سنة، ولم يكن قد تم من كتبه إلا 21 فصلاً.


بعد وفاة زوجته ووفاته هو في نفس العام، تبعثرت أوراقه الخاصة بين الأقارب وبين هواة التجميع ودور الأرشيف، ولم يبقَ من تشتتها إلا القليل ومنه هذه الوريقات، فقد عُثِرَ عليها صدفة في شتاء عام 2001، أي بعد مرور 20 عاما على وفاة ديورانت، وكان هذا العثور حَدَثاً من العيار الثقيل في الأوساط المعنية وبالنسبة لمحبي ديورانت ولطلاب الفلسفة والتاريخ في العالم أجمع.


أظن أنك الآن قد عرفتَ ما كنت أقصده " بالطُّعم "، فكتاب ديورانت " أبطال من التاريخ " ما هو إلا ذلك الطُّعم الذي سيصطاد طالب التاريخ - فيما أحسب -  فيضطره إلى القيام بمشروع ضخم وجَلل، ألا وهو قراءة أحد أهم أسفار التاريخ على الإطلاق " قصة الحضارة " أو على الأقل الاستعانة فيه كمرجع أساسي ومهم.


وللفائدة فإن كتاب " أبطال من التاريخ" يقع في 400 صفحة، نشرته دار الكتاب العربي مترجماً من قِبل سامي الكعكي وسمير كرم، وراجعه عمر الأيوبي، وقبل أن أختم هذه الأسطر أود أن أستعرض معكم بعض عناوين الفصول التي تناولها ديورانت في سِفره الأخير:


- الفصل الأول: ما هي الحضارة ؟
- الفصل الثاني: كونفوشيوس والملاك المنسي (إطلالات على الحضارة الصينية)
- الفصل الثالث: الهند من بوذا إلى أندريا غاندي.
- الفصل الرابع: من الإهرامات إلى أخناتون.
- الفصل الخامس: الفلسفة والشعر في العهد القديم.
- الفصل السادس: الطريق إلى بركيس ( تناول فيه قُدامى الإغريق ونشأت تلك الحضارة ).
- الفصل السابع: عصر أثينا الذهبي.
- الفصل الثامن: من أفلاطون إلى الإسكندر.
- الفصل التاسع: الجمهورية الرومانية.
- الفصل العاشر: الثورات الرومانية.
- الفصل الحادي عشر: الأمبراطورية الرومانية ( 27 ق.م - 180م ).
- الفصل الثاني عشر: نيرون وأوريليوس ( الإمبراطورية الرومانية قبل بعثة المسيح عليه السلام ).
- الفصل الثالث عشر: المسيح الإنسان.
- الفصل الرابع عشر: نشوء الكنسية وتطورها.
- الفصل الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر: عصر النهضة من ليوناردو إلى غروب شمس البندقية.
- الفصل الثامن عشر والتاسع عشر والعشرون: حركة الإصلاح الديني.
- الفصل الحادي والعشرون: شكسبير وبيكون.


ملاحظة أخيرة: قد يأخذ البعض على المؤلف في هذا الكتاب:
1- سرده لبعض الوقائع التاريخية بتحرر تستقبحه الفِطر السوية، وهذا الأمر لا يقدح بأمانته في نقل الوقائع إذ أنه نقلها كما وقعت.
2- تعريجه على بعض الجوانب غير المهمة بالنسبة لنا كالفنون مثلاً أو بعض أعلام الفن والشعر الغربي.

2011-09-21

القواسم المشتركة بين الحديقة والمكتبة !




ينتابني شعور كلما دخلت إلى مكتبة غنيّة، أنْ ربما قد ضللت طريقي فدخلت إلى حديقة بهيّة، وكذلك كلما زرت حديقة ما شعرت بنفس الشعور، تأملت هذا الأمر مليّا فوجدت أن هناك بالفعل بعض الشبه وكثيرا من القواسم المشتركة بينهما، فخذ على سبيل المثال بعض هذه القواسم:
1 - انشراح الصدر:
هذا أمر معلوم يعرفه كل من شُغِفَ بارتياد الحدائق أو من اعتاد زيارة المكتبات، فالقاسم في هذا الباب أشبه من الماء بالماء.
2 - التنوع:
في المكتبة تنوع معرفي ملحوظ، وفي الحديقة تنوع جَماليّ واضح.
3 - شهية القطف من غصن أو من رف:
ربما ليست بشهية بقدر ما هي غريزة إنسانية، فالإنسان يُحب أن يتناول بيده ما هو جميل ومباح ولا يخرم المروءة فقطف الوردة من غصنها شبيه بقطف الكتاب من رفِّه.
4 - الترتيب والتناسق:
إن لم تكن المكتبة مرتبة فأشك في كونها مكتبة، وكذلك الحديقة إن فقدت تناسقها وترتيبها لا تُسمى حديقة عند أهل الذوق.
5 - الرائحة المتميزة:
القارئ النَّهم تدركه بعد مدة من معالجة الكتب حالة إدمان يعرفها من شاطره الهم، تتلخص هذه الحالة باستنشاق صفحات الكتاب أحيانا !
أنا لا أمزح ولكم أن تسئلوا أحدهم، وما ذاك إلا لمعرفته بقيمة هذا الكتاب خاصة بعد أن حصل عليه بعد رحلة بحث متعبة، أما رائحة الحديقة فأمرها معلوم لدى الجميع.
6- الهدوء:
من أجمل الأمور في المكتبات الهادفة، والحدائق المعتبرة ذلكم الهدوء الساحر الذي تركن إليه النّفوس، فإن لم تسمع صوت خطواتك في أروقة المكتبة أو في طرق الحديقة فلا تصف الأولى بالهادفة، ولا الثانية بالمعتبرة !

هذه بعض القواسم التي كانت على طرف الثمام، وأنا على يقين أن من يقرأ هذه السطور سيقدح في ذهنه قاسم جديد ولعله فريد !

2011-07-30

وكثيرٌ من السؤال اشتياقٌ !


نَحْنُ أدْرَى وَقد سألْنَا بِنَجْدٍ ... أطَوِيلٌ طَرِيقُنَا أمْ يَطُولُ ؟
وَكَثيرٌ مِنَ السّؤالِ اشْتِيَاقٌ ... وَكَثِيرٌ مِنْ رَدّهِ تَعْليلُ

الليلة سوف تتناقل الأفواه وتستعذب الشفاه خبر رؤية هلاله، استبشاراً واشتياقاً لما تترتب عليه رؤيته من مظاهر وآداب وأحكام وروحانيات لا تكون إلا به.

شهر السّكينة، شهر الخير، شهر البركة، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، والذي عمرة فيه تعدل حجة، والذي فيه ليلة خير من ألف شهر، والذي يغفر الله لمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً، والذي تفتح فيه أبواب الجنان، والذي تصفد فيه الشياطين، هو سيد الشهور، والمقدم عليها.

يفنى الكلام ولا يُحيط بفَضلِهِ ... أَيُحيطُ ما يفنى بما لا ينفدُ ؟!

كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان، ويشد المئزر في آخره، ويطرق فيه جميع أبواب الخبر والبر من عبادة وصدقة وصلة رحم وغير ذلك، وعلى هديه كان الصحابة رضوان الله عليهم، وكذلك كان للصالحين من الأحوال والطقوس العجيبة التي لا تكون إلا في رمضان.

فها هم العلماء يتركون حِلقهم ودروسهم التي اعتادوا على الانتظام بها طيلة السنة ويتفرغون لدراسة القرآن وتدبره في هذا الشهر، فقد ورد الكثير من أخبارهم، ومن هذا ماذُكر أن أبا حنيفة رحمه الله إذا دخل رمضان يتفرغ لقراءة القرآن فإذا دخل العشر الأخير لم يقدر أحد أن يتكلم معه !، وذُكر أيضاً أن هارون بن سالم كان إذا دخل رمضان قال لزوجته: اطوي الفراش فلا ينام على فراش حتى ينسلخ رمضان !

لذا أوصيكم ونفسي بالاجتهاد في هذا الشهر المبارك، وليكن لكل أحد منا شعور أنه أمام مهمة عظيمة جليلة القدر لابد لها أن تُنجز، فيضع لنفسه خطة في رمضان، يختم خلاله القرآن ويتدبره، ويضاعف فيه من صدقاته، و يصل رحمه، ويجتهد في حفظ لسانه وجوارحه، فلا يتسمّر أمام الشاشات فيكون قيامه للمسلسلات أكثر من قيامه في الركعات ولا حول ولا قوة إلا بالله، فرُبّ صائم ليس له حظ من صيامه إلا الجوع والعطش، فاجتهد يا رعاك الله بحفظ صومك، كما كان يفعل السلف، حيث كانوا يطيلون المكث في المساجد يقولون: كي نحفظ صومنا.

أما ختم القرآن وهو شعار الصالحين في رمضان، فله طرق كثيرة من أيسرها، قراءة 4 صفحات قبل أو بعد كل فرض (مايقرب من 5 دقائق )، إن فعلت هذا فستختم بإذن الله في رمضان، أو قراة 20 - 25 دقيقة في اليوم، أو غيرها من الطرق اليسيرة والمُيسرة لكل أحد.

أخيراً أود أن أنبِّه أن القراء الأعزاء يستطيعون متابعتي اليومية من خلال تويتر أو فيسبوك، حيث سأنقل بعض الرقائق والفوائد خلال شهر رمضان.

بارك الله لي ولكم في هذا الشهر الكريم، وأعاننا على صيامه وقيامه إيمانا واحتسابا وتقبل من صالح أعمالنا وخالص طاعاتنا، وتجاوز بمنِّه ورحمته عن زلاتنا.

2011-07-19

تَرْجَمَةٌ لأديبٍ أندلُسِي


صاعد بن الحسن بن عيسى الربعي، الموصلي الأصل اللغوي الأديب أبو العلاء، أخذ عن السيرافي وأبي علي الفارسي والخطابي وغيرهم، وكان عارفاً باللغة وفنون الأدب والأخبار، سريع الجواب حسن الشعر طيب المعاشرة ممتع المجالسة، دخل الأندلس واتصل بالمنصور بن أبي عامر فأكرمه وأفرط في الإحسان إليه والإقبال عليه، ثم استوزره وألف للمنصور كتباً منها: كتاب سماه الفصوص على نحو كتاب النوادر لأبي عليٍ القالي.

واتفق لهذا الكتاب حادثة غريبة وهي: أن أبا العلاء لما أتمه دفعه لغلامٍ له يحمله بين يديه وعبر نهر قرطبة فزلت قدم الغلام فسقط في النهر هو والكتاب، فقال في ذلك ابن العريف وكان بينه وبين أبي العلاء شحناء ومناظراتك:
قد غاص في البحر كتاب الفصوص ... وهكذا كل ثقيلٍ يغوصْ
فضحك المنصور والحاضرون فلم يرع ذلك صاعداً وقال على البديهة مجيباً لابن العريف:
عاد إلى معدنه إنما ... توجد في قعر البحار الفصوصْ !
وصنف له أيضاً كتاب الجواس بن قعطل المذحجي مع ابنة عمه عفراء، وهو كتاب لطيف ممتع جداً، انخرم في الفتن التي كانت بالأندلس فسقطت منه أوراق لم توجد بعد، وكان المنصور كثير الشغف بهذا الكتاب حتى رتب له من يقرؤه بحضرته كل ليلةٍ، وصنف له أيضاً كتاب الهجفجف بن غيدفان بن يثربيٍ مع الخنوت بنت محرمة بن أنيفٍ وهو على طراز كتاب أبي السري سهل ابن أبي غالب الخزرجى، ولم يحضر صاعد بعد موت المنصور مجلس أحدٍ ممن ولي الأمر بعده، وإلى ذلك يشير في قصيدته التي قالها للمظفر بن المنصور الذي ولي بعد أبيه وأولها:
إليك حدت ناجية الركاب ... محملةً أماني كالهضابِ
وبعث ملوك أهل الشرق طرا ... بواحدها وسيدها اللبابِ
ومنها يشير إلى مرض لحق بساقه فمنعه من حضور جالسه، وهو وجع ادعاه فقال:
إلى الله الشكية من شكاةٍ ... رمت ساقي فجل بها مصابي
وأقصتني عن الملك المرجى ... وكنت أرم حالي باقترابي
ومنها:
حسبت المنعمين على البرايا ... فألفيت اسمه صدر الحسابِ
وما قدمتهُ إلا كأنّي ... أقدم تالياً أم الكتابِ
وأنشد هذه القصيدة بين يدي المظفر في عيد الفطر سنة ستٍ وتسعين وثلاثمائة، ولصاعدٍ مع المنصور أخبار ولطائف يطول ذكرها، توفي بصقلية سنة سبع عشرة وأربعمائةٍ.

2011-06-28

استشهادٌ نادر في محله


خرج المجنون ( قيس بن الملوح ) مع أصحاب له يمتار من وادي القرى فمر بجبلي نعمان فقالوا إن هذين جبلا نعمان وقد كانت ليلى تنزلهما قال فأي ريح تهب من نحو أرضها إلى هذا المكان فقالوا الصبا فقال والله لا أبرح حتى تهب الصبا فأقام في ناحية من الجبل ومضوا فامتاروا له ولهم ثم أتوا فحبسهم حتى هبت الصبا ورحل معهم وفي ذلك يقول:

أيا جبلي نعمان بالله خَـلِّـيا ... نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها
فإن الصبا ريحٌ إذا ما تنسمت ... على نفس مهمومٍ تجلت همومها

ويروى في ذلك أنه كان لأحد كبار الوعّاظ زوجة أسمها ( نسيم الصبا ) فاتفق أنه طلقها فحصل له عند ذلك ندم، فحضرت في بعض الأيام مجلس وعظه وجلست عند زاوية النساء، فحين رآها عرفها، فاتفق أنه جاءت امرأتان وجلستا أمامها فحجبتاها عنه فأنشد في الحال:

أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلصْ إلي نسيمها !!

جار أبي حنيفة


قيل: إنه كان لأبي حنيفة جار إسكاف ( صانع الأحذية ) بالكوفة يعمل نهاره أجمع فإذا جنه الليل، رجع إلى منزله بلحم أو سمك فيطبخ اللحم أو يشوي السمك ويشرب معه الخمر فإذا دب فيه السُّكر أنشد:

أضاعوني وأيَّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثغرِ !!

ولا يزال يشرب ويردد هذا البيت إلى أن يغلبه السكر وينام، وكان الإمام أبو حنيفة يصلي الليل كله، ويسمع حديثه وإنشاده، ففقد صوته بعض الليالي فسأل عنه فقيل: أخذه العسس ( شرطة الليل ) منذ ثلاثة أيام وهو محبوس.
فصلى الإمام الفجر وركب بغلته ومشى واستأذن على الأمير فقال: أئذنوا له، فلما دخل على الأمير أجلسه مكانه وسأله عن حاجته ؟
فقال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ثلاثة أيام فأرجو أن تأمر بتخليته.
فقال: نعم، ثم أمر بتخليته؟
فركب الإمام وتبعه جاره الإسكاف فلما وصل إلى داره قال له أبو حنيفة: أترانا أضعناك ؟
قال الرجل: لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن صحبة الجوار ورعايته ولله عليَّ أن لا أشرب بعدها خمرا.
فتاب من يومه ولم يعد إلى ما كان عليه.

2011-05-05

موعظة معبرة للفرزدق


أخاف وراء القبر إن لم يعافني ... ... أشد من الموت التهاباً وأضيقا
إذا جاءني يوم القيامة قائد ... ... ... عنيف وسوّاق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا
يقاد إلى نار الجحيم مسربلاً ... ... ... سرابيل قطران لباساً محرقا

2011-04-30

جعلتني عجوزاً في محراب !



رُويَ أن عبد الله بن أبي السمط أنشد بين يدي المأمون أبياتاً يمتدحه بها، فلما انتهى عند قوله:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاً ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل
قال له المأمون: ما زدت على أن جعلتني عجوزاً في محراب، وبيدها سبحة!!
أعجزت أن تقول كما قال جرير في عمر بن عبد العزيز:
فلا هو في الدنيا مُضِيعٌ نصيبَه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله

2011-04-26

صاحب نفس أبيّة ؟


قرأت هذا الخبر الجميل فأحببت أن أنقله لكم، وهو مذكور في كتاب الحديقة لمحب الدين الخطيب وهو بالمناسبة يكون خال الشيخ علي الطنطاوي رحمهم الله جميعاً، فإليكم الخبر :

دخل عمارة بن حمزة على أمير المؤمنين المنصور وقعد في مجلسه _ وكان ذا عزَّةٍ وثروة ونفس أبيَّة _ فقام رجل، وقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، فقال: من ظلمك؟ قال: عمارة بن حمزة غصبني ضيعتي، فقال المنصور: يا عمارة قم فاقعد مع خصمك، فقال: يا أمير المؤمنين ما هو لي بخصم، إن كانت الضيعة له فلست أنازعه فيها، وإن كانت لي فقد وهبتها له، ولا أنزل عن مقام شرَّفني به أمير المؤمنين لأجل ضيعة !

2011-04-13

بلاغة مظلوم

قال بعض الهاشميين: كنت جالسا عند المنصور بإرمينية، وهو أميرها لأخيه أبي العباس، وقد جلس للمظالم، فدخل عليه رجلٌ فقال: إِنَّ: لي مظلمة، وإني أسألك أن تسمع مني مثلا أضربه قبل أن أذكر مظلمتي، قال: قل. قال:
إني وجدت الله تبارك وتعالى خلق الخلق على طبقات، فاصبيُّ إذا خرج إلى الدنيا لا يعرف إلا أُمُّه ولا يطلب غيرها، فإن فزع من شيء لجأ إليها؛ ثم يرتفع عن ذلك طبقة فيعرف أنَّ أباه أعزُّ من أُمِّه فإن أفزعه شيء لجأ إلى أبيه؛ ثم يبلغ ويستحكم " فيعرف أنّ سلطانه أعزُّ من أبيه " ، فإنَّ أفزعه شيء لجأ إلى سلطانه، فإن ظلمه ظالم انتصر به، فإذا ظلمه السلطان لجأ إلى ربّه واستنصره، وقد كُنت في ذلك الطبقات، وقد ظلمني ابنك في ضيعة لي في ولايته؛ فإن نصرتني عليك وأخذت بمظلمتي، وإلاّ استنصرت الله عزَّ وجلَّ ولجأت إليه، فانظر لنفسك أيُّها الأمير أو دع. فتضاءل أبو جعفر، وقال أعد عليَّ الكلام، فأعاده. فقال: أمَّا أول شيء فقد عزلته، وأَمَرَ بِرَدِّ ضيعته.

2011-04-05

على صفة الاستعجال !


أعلم يقيناً أنّ منكم مَن اقتصر على متابعة المدونة دون الاهتمام بما أكتب في تويتر أو الفيسبوك، لسبب أو لآخر، وأشعر بالرغم من هذا الغياب بحفيف أرواحكم حولي، وأعرف أنكم استبطأتموني !

لا أكذب الله ثوب العُذر منخرقٌ .. عني بفرقتكم لكن أُرقِّعهُ

ولكن ما يعزيني أن القلوب صافية والأشواق وافية، وليس ثمة نوايا لصرم وإن كانت تلوح نوايا لعتاب صادق .

أما أسبابي فديّ من الأسباب غير المقنعة ما ينوء بالعصبة أُولي القوة !
كما أن لديّ من الأسباب المقنعة ما يفقهه أرباب الصنعة ( أعني صنعة الكتابة ) !

فالكتابة ليست كأي حالة يعيشها المرء ويستدعيها بكل يسر وسهولة لالا
هي شيء له مقدمات وترتيبات وربما مفاجآت وبيات !!

وقد كتبوا في ذلك وأكثروا، وآخر ما وقفت عليه كتاب لعبدالله الداوود اسمه طقوس الروائيين، وإن اقتصر المؤلف على هذا النوع من الكتّاب، إلا أنهم عينة تعبّر أحوالها عن الفئة ككل .

تناول فيه روائيين من شتى الملل والنحل والأجناس فالعربي والغربي والمسلم والملحد !!
وكلهم أتفقوا تقريباً أن هناك طقوساً وإن اختلفت بين واحد وواحد، ومما علق في الذهن قول روائي : أنه إذا همّ بالكتابة لابد أن يكون الجو العام من حوله كالجماد فلا حركة ولا صوت، ويقول : لو أن أحدهم مرَّ من بعيد أو لمحت خيالاً لحظني واختفى، أضع القلم وأقوم من مكاني وينقطع حبل استرسالي ولات حين رجوع ، وأعنقد أني أشبهه إلى حد ما !

عموماً أحببت أن أطل على أعزائي ثروتي الروحية وإن لم تتصافح الأيدي ولكن القلوب أحسبها قد تصافحت والعقول أظنها قد تلاقحت وحسبي بهذالثروة ثروة وهذا الود ود .

لي عودة بإذن الله وإلى ذلك الحين أترككم بود وعافية ...

2011-03-11

للبحتري في قصر المتوكل


عالٍ على لحظِ العيونِ كأنما .. ينْظُرْنَ منه إلى بياض المُشتري
ملأت جوانِبُهُ الفضاءَ وعانقت .. شُرُفاتُهُ قِطَعَ السحاب المُمْطِرِ
وتسير دجــلـةُ تـحـتـهُ ففناؤهُ .. من لُجَّةٍ غَمْرٍ وروْضٍ أخـضــرِ

رحلة التين والتمر - الفصل 5


الفصل 5 :

أدرت مِقود المركبة باتجاه الغرب أو صراط التاريخ وقد مثَّلتُ أني اخرج من إحدى بوابات دمشق العتيقة مع قافلة من قوافل الحجاز قُبيل الصبح، مُخلفاً كنز أحلام نزار ومروحته وراء ظهري، وكم يكبر على المرء المُنصف أن يتعجل الرحيل عن حاضرة التاريخ ومأوى الثقافة، إلا أن للوقت حكمه وسيفه، وعزائي أنني قد مررت بها قديماً غير مرة.

في هذا الطريق المؤدي إلى الأردن وطوله قرابة 90 كيلو، يمكن لمن يهوى التاريخ أن ينغمس في صفحات عذبةٍ مشرقة عن يمينه وشماله، وذاك لأنك تلحظ أثناء مسيرك أسماء بعض القرى والمدن التي كان لها ما كان في عصور قد خلت، أو أنها مسقط رأس عظيم أو مدفن كريم، وبما أنني مولع بتفقد الآثار وتنقيب أحقاب التاريخ بحثاً عن عبرة أو نادرة، أخذت أتلفت وأقرأ أسماء تلك المدن الممتدة عبر الطريق لأربطها مع ما كنت أقرأه حتى يكون الأمر أمامي واقعاً ملموساً.

كان الطريق مستوياً وربما انحدر بك قليلاً وأنت لاتشعر، والأرض منبسطة في معظمها ما خلا من بعض المرتفعات والسهول والتلال هنا وهناك، كما تكثر على جانبي الطريق الحقول والمزارع و أصوات الرعاة والفلاحين لتمتزج مع طبيعة نفسي المُحبة للبساطة وعدم التكلف، وتتخلل هذه الحقول قرى وبلدات أعرف سيماها واستحضر في ذاكرتي مسمّاها.

ومن أول ما لحظت بعد المُضي قليلاً في الطريق بلدة يقال لها داريا وكانت أعظم قرى أهل اليمن بغوطة دمشق تبعد عن دمشق بنحو ثمانية كيلو مترات جنوبًا إلى الغرب، قال عنها ياقوت: قرية كبيرة مشهورة من قرى دمشق بالغوطة، والنسبة إليها داراني على غير قياس، وبها قبر أبي سليمان الداراني، ومنها ابن المهنا الذي صنف كتاب اسمه تاريخ داريا، وأبو قلابة الجرمي تابعي ومحدِّث مكثر، روى عن بعض الصحابة وروى عنه الكبار. وحديثه مخرج في الكتب الستة وغيرها، كان عالماً بالقضاء مع عزوفه عنه، طُلب للقضاء فتغيب وتغرب عن وطنه، فقدم الشام، ونزل داريَّا ومرض فعاده في مرضه عمر بن عبدالعزيز .

ثم بلدة اسمها الكسوة وهي التي قَتَلَ بها الغساسنة رسل ملك الروم لما أتوا إليهم لأخذ جزيتهم منهم واقتسموا كسوتهم، فسميت بالكسوة، وهي أول منزل تنزله القوافل الخارجة من الشام باتجاه مصر قديماً، والغساسنة هؤلاء هم الذين قال فيهم حسّان في الجاهلية:

يُغشوْنَ حتى ما تهرُّ كلابهم .. لا يسألون عن السواد المُقبلِ
بيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابهم .. شُمُّ الأنوفِ من الطراز الأولِ
أولاد جفنةَ حول قبر أبيهمُ .. قبر ابن مارية الكريم المفضلِ
يسقون من ورد البريص عليهمُ .. بَرَدى يُصفقُ بالرحيق السلسلِ

وقريباً منها دارت معركة شقحب أو مرج الصفر سنة 702 هـ، بين المماليك بقيادة الناصر محمد بن قلاوون، والمغول بقيادة قطلوشاه وانتهت بانتصار المسلمين، وقد شارك في هذه المعركة شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله.

ثم رفعت لي بعد ذلك بلدة تسمى غباغب، قال أبو الحسن الرازي : أبو القاسم الغباغبي كان معلماً على باب الجابية، سمعت منه، ومات سنة 525 هـ .انتهى .

وقد سمعت صاحب قول على قول ذكرها في بيت جاء في معرض رده على أحد أسئلة برنامجه، فقال: ومن أطول ما قرأت في الوصف التصويري قول علي بن الحسين بن علي العبسي الورَّاق :

وما ذات بعلٍ مات عنها فُجاءة ... وقد وجدت حملاً دوين الترائبِ
بأرض نأت عن والديها كليهما ... تعاورها الوُرَّاث من كل جانبِ
فلما استبان الحمل منها تنهنهوا ... قليلاً وقد دبَّوا دبيب العقاربِ
فجاءت بمولودٍ غلامٍ فأحرزت ... تراث أبيهِ المَيْت دون الأقاربِ
فلما غدا للمال رباً ونافست ... لإعجابها فيه عيونُ الكواعبِ
وكاد يطول الدرع في القد جسمه ... وقارب أسباب النُهى والتجاربِ
وأصبح مأمولاً يُخافُ ويُرتجى ... جميل المحيا ذا عذارٍ وشاربِ
أتيح له عبل الذراعين محذر ... جريء على أقرانه غير هائبِ
فلم يبق منه غير عظم مجزر ... وجمجمة ليست بذات ذوائبِ
بأوجع مني يوم ولَّت حمولهم ... يؤم بها الحادون ( وادي غباغبِ )

وقريباً من غباغب يقع دير العدس، ودير العدس هذا له خبر غريب ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق، والمحب الطبري في الرياض النضرة في مناقب العشرة، وهو بتصرف غير مخل: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج في تجارة مع قوافل قريش إلى الشام وهو شاب في أيام الجاهلية، وعند عودتهم تذكر أنه نسيَ حاجة له فرجع الى دمشق وقال لرفقته: اذهبوا وسألحق بكم.

يقول عمر: فوالله إني لفي سوق من أسواقها إذا أنا ببطريق قد جاء فأخذ بعنقي وأدخلني كنيسة، فإذا تراب متراكب بعضه على بعض، فدفع إلي مجرة وفأساً وزنبيلاً وقال: انقل هذا التراب، فجلست أتفكر في أمري كيف أصنع؟ فأتاني في الهاجرة وقال: لم أرك أخرجت شيئاً، وضم أصابعه فضرب بها وسط رأسي، فقلت ثكلتك أمك يا عمر، بلغت ما أرى، فقمت بالمجرة فضربت بها هامته، فإذا دماغه قد انتثر، فأخذته فواريته تحت التراب، ثم خرجت على وجهي ما أدري أين أسلك بقية يومي وليلتي حتى أصبحت.

يقول: فانتهيت إلى دير فاستظللت بظله، فخرج إلي رجل منه فقال: يا عبد الله ما يجلسك ههنا؟ فقلت: أضللت أصحابي، فقال: ما أنت على الطريق، وإنك لتنظر بعين خائف، ادخل فاصب من الطعام والشراب واسترح ونم، فدخلت فأتى بطعام وشراب، فصعد في النظر وصوبه ثم قال: يا هذا: قد علم أهل الكتاب أنه لم يبق على وجه الأرض أحد أعلم مني بالكتاب، وإني أجد صفتك الذي يخرجنا من هذا الدير وتغلب على هذه البلدة، فقلت له: أيها الرجل: قد صنعت معروفاً فلا تكدره، فقال لي: اكتب لي كتاباً في رق ليس عليك فيه شيء. فإن تكن صاحبنا فهو ما نريد، وإن تكن الأخرى فلن يضرك، فقلت: هات فكتبت له ثم ختمت عليه، فدعا بنفقة فدفعها إلي وبأثواب وبأتان قد وكفت، فقال: ألا تسمع قلت: نعم ! قال: اخرج عليها، فإنها لا تمر بأهل دير إلا علفوها وسقوها، حتى إذا بلغت مأمنك فاضرب في وجهها مدبرة فإنها لا تمر بقوم ولا أهل دير إلا علفوها وسقوها.

فذهبت بها حتى أدركت أصحابي متوجهين إلى الحجاز ثم ضربت في وجهها مدبرة ثم سرت معهم. قال الراوي: فلما قدم عمر في خلافته إلى الشام أتاه ذلك الراهب، وهو صاحب دير العدس بذلك الكتاب فعرفه عمر فقال له: أوف لي، فقال عمر: ليس العمر فيه شيء ولكن للمسلمين. ثم أنشأ عمر يحدثنا بحديثه حتى أتى على آخره، ثم قال للراهب: إن أضفتم المسلمين وهديتموهم الطريق ومرضتم المريض فعلنا ذلك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، فوفى له بشرطه ، فالله أعلم .


وبعد الدير تقع قرية جاسم مسقط رأس أبي تمام الشاعر العباسي المعروف، وممن ذكرها عدي بن الرقاع العاملي في قوله:

لولا الحياء وأنَّ رأسي قد عسا .. فيه المشيبُ لزرتُ أمّ القاسم ِ
وكأنها بين النساء أعارها .. عيْنيهِ أحوَرُ من جآذرِ جاسم ِ
وسنانُ أقصدَه النعاس فرنّقت .. في عينهِ سِنةٌ وليس بنائم ِ

وقريباً منه تقع أيضاً بلدة نوى وهي مسقط رأس الإمام النووي رحمه الله صاحب رياض الصالحين الذي أصبح شاهداً على قبول العمل نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا، إذ أنك قلما تجد بيتاً أو مسجداً أو مدرسة لا يوجد بهم هذا الكتاب المبارك، بالرغم من أنَّ هناك ما يفوقه في بابه ولكن البركة إذا حلَّت فلا تسأل عن غيرها من الأسباب، والنووي من العلماء الذين لم يتزوجوا كشيخ الإسلام ابن تيمية، ولم يكن هذا رغبة منهم عن سنة المرسلين في الزواج ولكن حياة العلم والدعوة والجهاد والتصنيف والرد على الفرق الضالة قد تكون من الأسباب التي شغلتهم عن الزواج والله أعلم.

وعلى الطريق تقع بلدة الصنمين، التي جاء ذكرها في غزوات التتار لبلاد الشام أيام دولة المماليك، وجاء أيضا ذكرها في خريدة القصر للعماد الأصبهاني عند ترجمة الشريف محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الشاعر في قصيدته التي مدح بها الأفضل ومنها :

رضيتُ وصال طيفكِ وهْوَ زُورٌ ... وعند الشيب يُرْضَى بالخضابِ
فدع ذكراك أياماً تقضَّت ... إِذا ذهب الصِّبَا قَبُحَ التصابي
ودون ثنيَّةِ الصَّنَمين ظبيٌ ... وقورُ الحِجْل طيَّاشُ الحِقَابِ

وإذا وقف الإنسان في الصنمين، واستقبل الشمال ظهرت له بلدة الجابية، وتظهر من نوى أيضاً، وفيها خطب عمر بن الخطاب خطبته المشهورة لما قدم الشام سنة 16هـ بعد معركة اليرموك ووزع غنائم المعركة فيها، وباب الجابية الذي بدمشق منسوب إليها.

ومما رأيت أيضاً على جانب الطريق قبل الحدود لوحة مدينة بُصرى وهي بصرى الشام التي تشرفت أرضها بموطئ النبي صلى الله عليه وسلم عليها، كما جاء في السِير، عندما اصطحبه عمه أبو طالب في تجارة إلى الشام عندما كان فتى صغيراً، وهنا في بصرى التقى ببحيرى الراهب، وهي المذكورة في الحديث : ( لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز ، تضيء أعناق الإبل ببصرى ) رواه البخاري، وقد حدث هذا في سنة 654 هـ كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية وغيره، ومما قيل في بصرى :

أيا رفقة من دير بصرى تحملت .. تؤمُّ الحِمى أُلقيتِ من رفقةٍ رشدا
إذا ما بلغتم سالمين فبلغوا .. تحية من قد ظنَّ أن لا يرى نجدا

وقُبَيْل الغروب كنت قد وصلت إلى مركز نصيب الحدودي مع الأردن، فتوقفت وصليْت المغرب والعشاء جمع تقديم وقصرت العشاء، ثم وصلت إلى المركز الأردني المسمى بجابر ، فرأيت لوحة كبيرة كتب عليها أهلا وسهلا بكم في الأردن أو ما يشبه هذه العبارة، فشعرت بأنني أفِدُ على أهلي حيث أنّ ليَ في الأردن ملاعب فتوة ومعاهد صبا لم أزل أتذكرها جيداً.

في الفصل القادم سنعرف ...
- تفاصيل ليلة قضيتها في عمّان